وضعت حبة تمر في فمي وقلت : ربما ستخفف عني شدة الحر في هذا الفصل المبارك الذي جاء بقيض شديد هذه السنة على غير عواءده ، ابتلعتها وأنا واقفة خلف النافذة أنظر إلى الفراغ المحيط بي وقد بدت لي كل البيوت فارغة من أهاليها. نحن في فصل الصيف والغالبية العظمى من الجيران مسافرين في عطلة ، بل أحيانا تبدو لي مدينتي كلها وقد فرغت من سكانها المعتادين مع قدوم العطلة الصيفية رغم كونها عاصمة المملكة فتنتابني حالات من الاغتراب والحزن بسبب شعور الدائم بالوحدة والوحشة حتى وأنا أمام جموع من الناس.
تحسست طيبة التمرة ومذاقها الحلو اللذيذ ، إنها تمرة جزائرية الأصل كنت قد اشتريت كمية قليلة منه حين زيارتي الأخيرة لوجدة مدينتي الأم ومسقط رأسي ومدينة أهلي المتوفين منهم والأحياء وهي تقع على الحدود الجزائرية المغربية بحيث لا يفصلنا عنها غير 8 كيلومترات وككل المدن الحدودية في العالم ينشط بها التهريب في كلا الاتجاهين.
أحيانا أتساءل كيف تمكن أبي رحمة الله ، الأمازيغي الأصل والنشأة والتربية والذي كان يتحدث العربية بصعوبة فائقة ، كيف جاء إليها من أقصى الجنوب المغربي واستقر بها وتزوج أمي "وجدية الانتماء " ولم يتمكن قط من تركها إلى أن توفاه الله ودفن بها ، للأسف لم يسعفه الموت كي أسأله لمعرفة الظروف . وقد كنت أستحيي منه كثيرا وأنا صغيرة وحتى وأنا شابة في مقتبل العمر لم يكن بمستطاعي طرح هكذا سؤال لأن الاستحياء منه وهيبته كانا يكبران معي .
لا يمكن لزائر المدينة أن يتحاشى شراء التمر منها ، فمعظم الأروقة التجارية تعرضه بكميات كبيرة وبطريقة جميلة مغرية للعين قبل الفم إلى جانب التمور المغربية ، حتى أنه يصعب عليك التفرقة بينهما ويلزمك أن تسأل البائع كي يدلك على الانتماء الوطني لكل تلك التمور اللذيذة ، ويبقى التمر الجزائري الأكثر انتشارا بالمدينة نظرا لأثمنته المغرية ولجودته أيضا ، لذلك فالإقبال عليه كبير جدا طيلة السنة حتى بدون شهر رمضان الأبرك ، خصوصا ونحن في العطلة الصيفية التي تنشط فيها بالمنطقة الشرقية ، الأعراس والحفلات والتي يستخدم فيها التمر بكثرة .
فمن منا لا تدمع عينيه حين يرتل صورة مريم ويصل إلى الآية التي تقول "«فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً، فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً، فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً، وهزي إليكِ بجذع النخلة تُساقط عليكِ رطباً جنياً، فكلي واشربي وقري عيناً» سورة مريم 22 ـ 26.
















