من الصعب إذا أردت الحديث عن حكاية أو أسطورة مغربية أصيلة أن تقنع من تحدثه من غير المغاربة، أنك تتكلم عن أشياء وقعت في الماضي المغربي السحيق وليس في منطقة اخرى من وطننا العربي، فالحكايات تتشابه وتتداخل احداثها من نقطة بدايتها إلى أدق تفاصيلها كما تتقارب تسميات شخوصها وهي ثرية بثراء هذه البقعة الخلابة من الكرة الارضية التي هي أرض العرب.. ثم إن جل الحكايات الشعبية استخلص منها المواطن العربي مع مرور الازمنة عبرا وامثلة ، بقيت خالدة في الذاكرة التاريخية الشعبية لحد الساعة ، يتداولها الناس فيما بينهم كل حسب لهجته ويبقى المعنى او بالأحرى المغزى المقصود منها واحدا ولعل الامثلة في هذا الباب كثيرة لا تخفى على أحد…
وطبعا القاسم المشترك الأول بيننا كعرب .. هو عبارات الافتتاح عند البدء في الحكي فعادة ما تكون هي الاخرى مشوقة ومختارة كلماتها بعناية فائقة..غالبيتها تبتدئ بذكر الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله، عليه أزكى الصلوات..
والحكايات تعتبر "الضمير التاريخي" إن صح هذا التعبير الذي لن يفنى الا مع فناء الدنيا ، رغم ما تعرفه من عزوف وإهمال الآن وقد تأثرت بدورها كأي مجال آخر بالظروف البيئية السائدة أثناء حدوثها ..فهناك الحكايات و الاساطير التي تتحدث عن تجبر الملوك والقضاة في تلك الأزمنة الغابرة .. هناك من تتحدث عن الصداقة والحب وما اكثرها وتلك التي تتحدث عن الغدر وهناك من تتحدث عن الشجاعة و فعل الخير ونصرة الحق ومحاربة الظلم والتسلط ..
من بين حكايات زمان والتي بقيت عالقة في ذاكرتي ، حكاية كانت جدتي ترويها لنا نحن الإناث دون الذكور ، فجدتي كانت تميز بيننا كجنس حتى في الحكي .فحسب معتقدها ما يصلح أن يسمعه الإناث لا يجب أن يحكى للذكور ..
جدتي رحمة الله عليها ، كانت امراة فريدة من نوعها ، كنت دائما اعتبرها انسانة آتية من زمن وعالم آخر غير الزمن الذي عاشت فيه معنا..هي بدورها حكاية أجهل الشيء الكثير عن بدايتها ، لن أتمكن ابدا من سردها .اكتفي فقط بالحكاية التي روتها لنا ذات ليلة صيفية مقمرة ونحن ملتفات حولها في فناء بيتها الواسع .
ما كنت أتعجب له وأنا في ذلك السن هو أن جل حكاياتها وقعت أحداثها في القرى ، رغم أنها قضت كل عمرها في منزلها الواسع بالمدينة..
وتحكي جدتي أنه في إحدى القرى المغربية الجميلة ، بين وديان الماء والمروج سكن رجل غني يملك ما لا يحصى من الاراضي الخصبة والأبقار والأغنام والخدم..عرف ببخله وشحه وحبه لاكتناز المال ..كان لا يتصدق إلا نادرا ويعامل خدمه بقسوة كبيرة، له ثلاث نساء أنجبن له أكثر من سبع إناث، وكان هذا الأمر يزعجه كثيرا ، فلمن يا ترى سوف يترك كل ماله وخيراته من بعده؟؟ ومن سيشد زمام الأمور إن وافته المنية.. من سيكون الوارث لكل خيراته ؟؟..فقرر ان يتزوج ابنة إحدى الخادمات علها تنجب له ذكرا ..وكانت فتاة جميلة ورقيقة ..لم تتمكن أمها من الممانعة نظرا لترتيبها الاجتماعي المتدني الذي يفرض عليها الخضوع لأوامر سيدها دون مناقشة ..فمنحته الفتاة ضمانا لبقائيهما على قيد الحياة والألم يكسر أحشاءها..
أوكل الرجل المتغطرس أمر الفتاة لزوجته الأولى الكبرى وكانت تعاملها معاملة قاسية وتتبع بالحرف جميع توصيات الزوج البخيل الذي لم يكن يطعم اهل بيته حد الشبع..ورغم قسوة الظرف حملت الفتاة ..فكان أول حمل لها بجميع تبعياته الأولية أيضا من عسر الوحم والتشهي..نبهتها امها ألا تخبر أحدا بوحمها حتى لا تتعرض لأذى ضراتها الثلاث.فكانت الفتاة تتألم بصمت وتحاول إخفاء معالم الوحم..فاشتد بها الحال وطلبت من أمها أن تأتيها بقطعة من كبد الخروف لأنها اشتهتها كثيرا وترغب أن تاكل ولو قطعة صغيرة منها..بكت الأم بمرارة إذ أنها لن تتمكن أبدا من تلبية رغبة ابنتها الحامل ، ورغبة امراة حبلى في شهورها الاولى من المؤكد أن له تبعياتها على الجنين ..لا زال هذا المعتقد سائدا في المجتمع المغربي بالخصوص والعربي عامة لحد الآن ..فطلبات المرأة الحامل تصبح أوامر ، على أهل بيتها أن يتدبروا حالهم ويحضروا لها مشتهياتها حتى لا تترك الأثر على جسد الجنين..
كانت الفتاة واعية جدا بظروف أمها وظروفها القاسية ..كما كانت تعلم مدى بخل وشح الزوج..ومع ذلك لم تتمكن من كبح جماح الوحم الذي كان يسيطر على كل تفكيرها ..عليها أن تعمل ما في وسعها كي تحصل على قطعة من كبد الخروف مهما كلفها الأمر ..
خرجت خلسة من البيت الكبير وتوجهت نحو المروج البعيدة والتي عادة ما يقصدها الراعي بالقطيع .بعد مشي مضن بين الوديان ، وصلت الفتاة متعبة منهكة…قصدت للتو الراعي وقالت له:
جئت عندك ألتمس منك معروفا ، أنا حامل ولا أحد يعرف بذلك وقد اشتد علي الوحم وأريد فقط قطعة من كبد الخروف ..فرد الراعي منبهرا مدعورا لكن يا ابنتي أنت تعلمين مدى شح السيد وهو يتتبع كل كبيرة وصغيرة عن القطيع ، كيف لي أن أجرأ واقوم بتلبية رغبتك..رجته باكية متوسلة انها تعاهده أمام الله الا احد سيعلم بالخبر إن هو فعل ..
وكل الراعي المسكين أمره لله واخد خروفا صغيرا نحره وتخلص من كل محتوياته وجمع كومة صغيرة من الحطب أشعلها ثم وضع فوقها الكبد ..أكلت الفتاة "الموحمة" بنهم وشهية كبيرة واغتسلت في الواد المجاور حتى لا تترك أثرا للاكل وانصرفت لحال سبيلها مسرعة…لكن تقول جدتي " فين كاين صديقك كاين عدوك" بمعنى آخر اينما وجد الأصدقاء اندس وسطهم الأعداء أيضا..
لاحظت كبرى الزوجات غياب الفتاة فبعثت من وراءها إحدى الخادمات لترقب خطوتها..وقد نقلت الخادمة كل ما راته وسمعته للتو للزوجة التي اخبرت بدورها رب المنزل…
أزبد الرجل وغضب غضبا كبيرا ..كيف تجرأ وتشهر بي ، أنا ، وسط القبيلة وتفضحني وتنشر بأنني بخيل ولا أطعم أهلي علي بها ..سوف أنتقم لكرامتي وأتركها سخرية بين سكان القبيلة كلها..سوف أتركها حديثا وعبرة للأجيال القادمة
طلب من خدمه نحر أكبر عجل عنده وأمرهم بتهيء ما لذ وطاب من الأطباق ..أمر كذلك بتجويع جمل وعدم سقي جمل آخر حتى يتسنى له تنفيذ انتقامه الشيطاني من الزوجة الصبية الحامل..كان ينوي أجبارها بالتهام كل الطعام الذي هيأه الخدم وكان ذلك طبعا شيئا مستحيلا، سوف لن تتمكن من ذلك أبدا .. فيقيد يديها وقدميها بالجملين بعد ان يضع بالقرب منهما الماء والكلء ..وعندما يسرعان للأكل والشرب سوف تقطع الفتاة إلى نصفين وبذلك ينتقم لشرفه وكرامته..
..حزنت الأم المسكينة وبكت وتوسلته دون جدوى نهرها ووضعها في الكوخ الحقير المظلم الذي سجن في الزوجة..قالت لابنتها : ألم أنبهك عن النتائج.. انظري الآن إلى مصيرك..حاولت الفتاة أن تهون وتخفف على أمها وقالت لها بإيمان وثقة كبيرة في الله : يا أمي هوني على نفسك "منين يطيب التريد يدير الله ما يريد" بمعنى حين تحن ساعتنا أنذاك يفعل الله ما يشاء…
هرولت كبيرات الطباخات عند سيدها تخبره أن كل ما طلبه موجود..فقال لها مديني بلقمة كي اتذوق قبل الشروع في التنفيذ..وبمجرد ما وضع لقمة الطعام في فمه وأراد ابتلاعها ، علقت ببلعومه قطعة من اللحم اصيب بالإختناق وخر أرضا يتركل بقدمه ويديه كثور مدبوح فمات على الفور..
أخرجت الفتاة وامها من الكوخ ونظرت إلى امها قائلة لها ألم أقل لك "حين يطيب التريد يدير الله ما يريد"
من أوكل آمره لله وهو مظلوم أنصفه ربه واتاه من حيث لا يحتسب…
لا زال المثال متداولا بين الأسر المفربية الشعبية لحد الساعة …
"حين يطيب التريد يدير الله ما يريد"
والتريد أكلة مغربية من المطبخ المغربي الأصيل : تهيئ بالعجين المورق بالزبدة والزيت ..يطهو فوق قدر خاص ويسقى بمرق اللحم أو الدجاج المتبل..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج
نوفمبر 26th, 2007 at 26 نوفمبر 2007 8:47 ص
السلام عليك فاطمة الزهراء…
حكاية من حكايات الجدة رحمها الله ..أيام الزمن الجميل..
حكاية وراءها الف حكاية…
حكايتك انت سيدة الصداقة..
ابعث لك بالف تحية من مكاني ولا انسى ابدا الولدين..
دمت بخير
نوفمبر 26th, 2007 at 26 نوفمبر 2007 11:30 ص
شكرا كريمة لمرورك الطيب وبدوري ابعث لك الف تحية الى مكان تواجدك راجية من الله لك التوفيق والتالق…
دمت دائما صديقتي..
نوفمبر 26th, 2007 at 26 نوفمبر 2007 5:03 م
السلام عليكم
في قصصهم عبرة
حكاية كله عبر وحكم
تحياتي لك
ادراجي الجديد
عيد لتدوق الخمور وزواج شادين
نمادج من ورثة ابليس
نوفمبر 26th, 2007 at 26 نوفمبر 2007 6:29 م
السلتم عليك اخي ياسر
تحيتي لك وشكرا لدعوتك الطيبة..
ساكون في دونتك ان شاء الله
دمت بخير