بابا وجدي (2)
كتبهافاطمة الزهراء...المغربية ، في 28 مارس 2009 الساعة: 18:21 م
مع الوقوف المتكرر أمام الحواجز الأمنية كان السائق قد أضاع وقتا كثيرا ، بدت له الطريق فارغة من الحركة وسط ذلك الظلام الدامس الذي من المؤكد أنه تعود عليه ، فأطلق العنان للفرامل وضاعف من السرعة حتى يتدارك ما فاته من وقت..المسافة الفاصلة بين تاوريرت وجرسيف طويلة ومملة نظرا للطبيعة الجغرافية القاحلة التي تغلب على المنطقة ، تبدو جنبات الطريق من نافذة الحافلة عارية من كل أشكال النباتات ، نادرا ما يظهر خيال شجرة يابسة ..إنها أرض جرذاء مغطاة بالأتربة والاحجار ..انطلاق من طبيعة المنطقة ، انتشرت بين ساكنتها مقولة مشهورة يرددونها حين تسألهم عن أحوالهم ، وهي تلخص بامتياز ظروفهم المعيشية الصعبة والقاسية بسبب قلة الموارد الطبيعية والجفاف وتجاهل سلطات الرباط لهم ، فكلما سألهم أحد عن أحوالهم "قالوا جرسيف والعيش بالسيف" أي بالكاد.
حين كنت أتابع دراستي بفاس بكلية الحقوق ،كان الطلبة الجرسيفيين من أفضل الطلبة في علم اللغات خاصة اللغة الإنجليزية والفارسية "التي أوقفت السلطات تدريسها على إثر قطع العلاقات مع إيران " وحتى العبرية التي كانت تدرس كلغة ثانوية هي والفارسية في فرع الآداب العربي ، يجيدون التحدث باللغات الأجنبية بامتياز ويتفوقون في الدراسة ، اما اللغة العربية فذاك بحرهم المفضل ينطقون الضاء ضاء والظاء ظاء والثاء ثاء حتى حين التحدث بالعامية المغربية ويستعملون كلمات كلها ذات أصول عربية بتلقائية كبيرة في حديثهم وجلهم كان يقرض الشعر بل أحيانا يتحدثون به فيما بينهم بالإضافة إلى مواقفهم النضالية والرجولية داخل الحرم الجماعي ..غالبية القبائل التي تسكن المنطقة من العرب ولا يوجد من بينهم أمازيغ إلا نادرا او بالصدفة.
حسنا ، قلت مع نفسي سأسترخي قليلا ، أملت الكرسي إلى الوراء كي أغمض عيناي . كانت الحافلة نظيفة ومريحة وبكراسي مغلفة بثوب من القطيفة المزركشة ذات لون الأزرق ، يمكنك التحكم في وضعها بإمالتها خلفا دون إعاقة الجالس وراءك وبين الفينة والأخرى يهب ريح خفيف من نافذة السائق الذي كنت أجلس وراءه على اليسار مباشرة ، محملا برائحة معطر الجو المحيط بمكانه من كل ناحية : فوق رأسه وعلى المرآة وبجانبه الأيسر ، بحيث مع كل هبة ريح تنتشر رائحة المعطر الممتزجة فيما بينها بأرجاء الحافلة فتغير من رائحة السفر الثقيلة .
أيقظني صوت جاري الجنب بقوله " إلى أين تذهبين أنت إن شاء الله " قلت له إنني عائدة إلى بيتي في الرباط بعدما قدمت التعازي بدوري لخالتي في فقدانها لولدها .قال : لم أعد أسمع غير أخبار الموت إنه في كل مكان ، قلت له هذا حال الدنيا " كل نفس ذائقة الموت "وهذه سنة الله في خلقه ..الموت لا مفر منه إن عاجلا أم آجلا .. قال " سأضطر الآن بسبب وفاة ابنة أخي إلى أن أغير الاتجاه . كنت متوجها إلى الرباط لكن حين ننزل للاستراحة سوف أكلم مساعد السائق من أجل تمكيني من الذهاب إلى غاية الدار البيضاء عند أخي لأشاركه مراسيم الدفن والجنازة..
تابعت الحافلة سيرها من تازة في اتجاه مدينة فاس ، قاطعة مسافة طولها 22 كيلومتر حيث وصلنا إلى قرية واد امليل قبلها ..هذه القرية الصغيرة تعتبر مركزا هاما لتوقف المسافرين وهي تعيش على حركة الحافلات التي تعبرها يوميا .فرغم أنها توجد في منطقة فلاحية هامة إلا أن ساكنتها تعاني كثيرا من أوجه الفقر الظاهرة للعيان ، إنها مجرد نقطة مكملة لمدينة فاس ، بحيث جل الأراضي الخصبة والضيعات بها تمتكلها العائلات الفاسية الغنية التي تشغلهم كمياومين ، الشيء الذي دفع بالكثير منهم إلى البحث عن موارد رزق أخرى تعتمد أساسا على تقديم الخدمات المختلفة للمسافرين العابرين يوميا لقريتهم .
توقف السائق بنا في باحة الاستراحة بواد امليل .نزل كل الركاب للاستراحة قليلا ، نزل بابا وجدي أيضا وبقيت وحدي في الحافلة ، مرت أكثر من 10 دقائق وقد دخل جل الركاب إلى مطعم شاسع دخله السائق أولا ، فنزلت بدوري وقد جلبتني رائحة القهوة المنبعثة من مقهى ليس بعيد عن المطعم . دخلته وكان فارغا عن آخره فكل الركاب تبعوا السائق لمطعمه الذي اعتاد عليه ..طلبت من الطفل - الكرسون الذي لم يكن يتعدى 14 سنة قهوة شريطة أن تكون ساخنة ، شربتها واسترحت قليلا ثم عدت مسرعة لمكاني داخل الحافلة . هي هكذا عادتي لا آكل حين السفر وخصوصا ليلا ولا أتحرك من مقعدي إلا عند الضرورة إلى أن أصل..
واصل السائق الطريق .. لم يعد يفصلنا عن مدينة فاس غير 80 كيلومتر ، 35 كيلو منها عبارة عن منعرجات وعرة ومنحذرات غالبا ما تكون مسرحا لحوادث قاتلة ..إنها أصعب منطقة طرقية في تلك الناحية ..تحيط بها من كل الجهات جبال عالية وتلال خصبة استغلت غالبيتها لزراعة الحبوب والقطاني وزراعة أشجار الزيتون ، منطقة فلاحية معطاه وقد عانت هي الأخرى هذه السنة من فيضانات مهولة شردت العديد من الأسر وأودت بحياة العديد من المواطنين .. يبدو لك السد -سد علال الفاسي - كبحيرة شاسعة ممتلئة عن آخرها و كلما مالت الحافلة ظهرت لنا من بعيد أضواء فاس المتلألئة على بعد 30 كيلو وقداختفت الحواجز الأمنية والدركية تماما.
ابتسم الرجل ساخرا وقال: يفضحون كل شيء إلا مثل هذه الجرائم ..هناك تعتيم إعلامي متعمد في حق هؤلاء المهاجرين ، بل إن الكثير من الصحف ترفض التطرق لقضيتهم بحجة أن قضايا المواطن المغربي أولى بحيث لا يكتبون عنهم إلا إذا لفض البحر الكثير من جثثهم..
يـــتـــبـــع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | السمات:خاص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج





























مارس 28th, 2009 at 28 مارس 2009 7:15 م
انتظر البقية
اسلوبك جدا ممتع
تقبلي مروري المتواضع
تحياتي
مارس 28th, 2009 at 28 مارس 2009 8:16 م
السلام عليكم ورحمة الله
شكرا لطيبة المرور وكرم التعليق.
سوف تكون التتمة جاهزة باذن الله ريتما يطلع الاخوة والاخوات على هذا الادراج…
بارك الله في علمك وادبك وتحيتي اليك وتقديري
اختك في الله فاطمة
مارس 29th, 2009 at 29 مارس 2009 2:08 م
السلام عليك غاليتي فاطمة، كم أستمتع و أنا أقرأ ما تجود به قريحتك
اليوم سافرت معك إلى جرسيف و طلبتها و إمتيازهم و تفوّقهم، ثم تازة فقرية واد امليل.
أخذتني عزيزتي في رحلة شيقة، أتعرف من خلالها على قرى المغرب العزيز و ظروف أهاليها الصعبة، و حواجز الدرك المقيتة..
كلماتك كانت تشوبها مرارة، هي لا محالة تلك الروح التي تتألم للأوضاع المتعبة لأبناء وطنها، وهي الروح التي كلما تعرفت عليها أكثر كلما انحنيت احتراما لها.
سأنتظرالوصول إلى فاس و قصة بابا وجدي…
دمتي وفية يا زهراء المغرب.
مارس 30th, 2009 at 30 مارس 2009 11:08 ص
تحياتي صديقتي فاطمة
حروفك بلسم الروح في القهر
وجداوية أمازيغية
عربية إنسانية
أنت يا درري
المهاجرون يا فاضلتي
هم في الحقيقة أناس مقهورون
بلقمة العيش مقهورين
بسياط الحكم مقموعين
من لهم غبرك يا فاطمة الانسانية
حمامة العدل والحرية
مع التقدير والحب
آدم
مارس 30th, 2009 at 30 مارس 2009 6:07 م
السلام عليك ورحمة الله
وزردة الافحوان الفلسطينة المتالقة
شكرا للمرور
شكرا للورود التي انثرتها وانت تمرين بمملكة الماء
..اهلا بكي في بلدك المغرب معززة مكرمة…
قريبا سوف ينتهي سفري وقد مررت من الطريق المحادية على فاس مهما كتبت عن هذه المدينة لن استوفيها حقها…قريبا التتمية باذن الله
بارك الله في احرفك وتالقك
اختك في الله فاطمة
مارس 30th, 2009 at 30 مارس 2009 8:27 م
السلام عليكم استاذ ادام
نظرا للصعوبة التي تعترضني في النشر التلقائي للتعاليق..انني نضطرة للجوء الى تقنية كوبي كولي الى ان تتصلح الامور هنا بمكتوب وشكرا..
التعليق: التاريخ الإجراءات
Adam Adameen
تحياتي صديقتي فاطمة
حروفك بلسم الروح في القهر
وجداوية أمازيغية
عربية إنسانية
أنت يا درري
المهاجرون يا فاضلتي
هم في الحقيقة أناس مقهورون
بلقمة العيش مقهورين
بسياط الحكم مقموعين
من لهم غبرك يا فاطمة الانسانية
حمامة العدل والحرية
مع التقدير والحب
آدم
), 2009/03/30 at 11:08
مارس 30th, 2009 at 30 مارس 2009 8:43 م
السلام عليكم ورحمة الله
اولا اشكر استاذي الفاضل واحيطك علما انني اجد صعوبة كبيرة في نشر التعاليق بمدونتي وقد طال هذا العطف فبدا يقرفني حقيقة ..انني لجات مع تعليقك ايضا لعملية نقل والصق كوبي كولي وهذا مقرف طبعا والسبب لا اعرفه لم يصلحوه بعد رغم انني اخبرتهم بذلك في مدونتهم…
وثانيا اشكرك على كل حرف نثرته هناك فماسات هؤلاء المهاجرين حقيقة تدمي تحت صمت الحكومات المعنية وغياب تعاون فيما بينها لايجاد حلول لهم..وتبقى مبادرة السيد الذي تحدثت عنه والذي يتعرض بدوره لمضايقات كبيرة الوحيدة واليتيمة مع تعتيم اعلامي مقيت عن اوضاعهم …
وحسبي الله ونعم الوكيل
شكرا استاذ ادام..
تحيتي وتقديري لك اينما كنت..
مارس 31st, 2009 at 31 مارس 2009 2:45 م
تحياتي صديقتي فاطمة
دوما تمثلين في فكري
كل صدق وودي
بخصوص التعليق
جربي أن تنقري على “موافقة” بعد
أن تفتحي على التعليق من بريدك
ثم أنقري على “حفظ”
أظنك حينها ستجدي التعليق قد نشر
مع التقدير والحب
آدم
أبريل 7th, 2009 at 7 أبريل 2009 10:59 ص
حبيبتى فاطمة اتابع وكلى شوق اولا: تصدقى ادركت الان ما سر اهتمامك بحقوق الانسان وحرية التعبير ومحاولة التغيير انت حقوقية اذن …رائع كانت امنيتى دراسة الحقوق …ولكن لظروف معينة لم اتمكن من دراستها ثانيا : نتفق معا فى حب القهوة ثالثا :تعرفت بفضلك على الكثير من المعلومات الشيقة عن بعض مناطق بلدكم الحبيب والتى لم اكن اعلم عنه شىء واخيرا : انتظرى زيارتى للجزء الثالث بس الوقت واجب الامومة ينادينى فاعذرينى محبتى لك